أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

ما الذي يجعل الإنسان عالقًا في دائرة “سأفعل لاحقًا”؟

ما الذي يجعل الإنسان عالقًا في دائرة “سأفعل لاحقًا”؟

التسويف النفسي لا يُصنَّف في علم النفس ككسل، بل كصعوبة في تنظيم الانفعال (Emotional Regulation). أي أن المشكلة الأساسية ليست في إدارة الوقت، بل في إدارة المشاعر المصاحبة للمهمة.
عندما يواجه الإنسان مهمة مرتبطة بتقييم ذاته — امتحان، مشروع، قرار مهم — ينشّط الدماغ الجهاز الحوفي (Limbic System)، خصوصًا اللوزة الدماغية (Amygdala)، المسؤولة عن معالجة التهديد. المهمة لا تُقرأ كعمل، بل كخطر نفسي: خطر فشل، أو نقص، أو اهتزاز صورة الذات.

في هذه اللحظة يدخل الدماغ في صراع بين: القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ، والجهاز الانفعالي الذي يطلب الهروب من التوتر فورًا.

عندما يكون التوتر أعلى من قدرة التحمل الانفعالي، ينتصر النظام الانفعالي، ويحدث ما يُسمّى التجنّب السلوكي (Avoidance Behavior). أي أن الدماغ يختار أي سلوك بديل يقلل القلق فورًا، حتى لو كان غير منطقي طويل المدى. الهاتف، النوم، الترتيب العشوائي، الانشغال بأمور تافهة…

كلها تُنشّط نظام المكافأة (Reward System) عبر الدوبامين، لكن بطريقة سريعة وسطحية. فيشعر الإنسان براحة مؤقتة، ليس لأنه حل المشكلة، بل لأنه خفّف الإحساس المزعج المصاحب لها.
مع التكرار، يتكوّن ما يُعرف بـ حلقة التسويف العصبية (Procrastination Loop): مهمة → قلق → تجنّب → راحة مؤقتة → ذنب → قلق أعلى → تجنّب أقوى.

الدماغ يتعلّم تدريجيًا أن التأجيل يخفف الألم، فيرسّخ السلوك كاستجابة تلقائية. هنا لا يعود التسويف قرارًا واعيًا، بل نمطًا عصبيًا مكتسبًا.
نفسيًا، أغلب المسوّفين يعانون من:
الكمالية المرضية (Maladaptive Perfectionism)
حساسية مفرطة للتقييم (Evaluation Anxiety)
خوف ضمني من الفشل أو النجاح نفسه

أي أن التسويف ليس هروبًا من العمل، بل هروبًا من الإحساس الذي يهدد صورة الذات.
النتيجة طويلة المدى ليست فقط تأجيل الإنجاز، بل:
إرهاق ذهني مزمن
انخفاض تقدير الذات
شعور دائم بالذنب
وتآكل الإحساس بالقدرة الشخصية (Self-Efficacy)

وفي النهاية، التسويف النفسي لا يصنع شخصًا كسولًا،
بل يصنع شخصًا يعيش في حالة صراع دائم بين ما يعرف أنه يجب أن يفعله، وما يستطيع تحمّل الشعور به.

حياة كاملة قد تمرّ لا لأن الإنسان لم يكن قادرًا،
بل لأنه لم يكن قادرًا نفسيًا على مواجهة الإحساس المصاحب للبدء.

أ.د/ مروة صبري