أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

لماذا يشعر بعض الناس أنهم عاشوا نصف حياتهم في حياة لا تشبههم؟

لماذا يشعر بعض الناس أنهم عاشوا نصف حياتهم في حياة لا تشبههم؟

أزمة منتصف العمر تُصنَّف نفسيًا ضمن ما يُسمّى أزمة إعادة بناء الهوية (Identity Crisis / Identity Re-evaluation). وهي لا ترتبط بالعمر الزمني، بل بلحظة إدراكية يكتشف فيها الإنسان فجوة كبيرة بين الذات التي يعيش بها والذات التي يشعر أنه هو فعلًا.

في المراحل الأولى من الحياة، الإنسان يتحرك غالبًا بدافع ما يُسمّى الامتثال الاجتماعي (Social Conformity):
اختيارات الدراسة، العمل، الزواج، تُبنى على معايير القبول والاستقرار أكثر من كونها نابعة من الدوافع الداخلية. الدماغ يفضّل المسارات الآمنة اجتماعيًا لأنها تقلل خطر الرفض والتهديد الاجتماعي.
عصبيًا، هذا النمط يعتمد على نشاط مرتفع في دوائر التكيّف الاجتماعي المرتبطة باللوزة الدماغية (Amygdala) وقشرة الفص الجبهي الإنسي، وهي المسؤولة عن مراقبة القبول والرفض. أي أن القرارات الكبيرة تُتخذ أساسًا لتجنب الخسارة الاجتماعية لا لتحقيق معنى داخلي.

مع التقدّم في العمر، يحدث تغيّر مهم في نظام المكافأة العصبي. حساسية الدماغ للدوبامين تقل تدريجيًا، فيقل تأثير الإنجازات الخارجية على الشعور بالرضا. النجاح في العمل، والاستقرار في الزواج، لم يعودا ينتجان نفس الإحساس الداخلي بالقيمة.

هنا يظهر ما يُسمّى نفسيًا الفجوة بين الذات الوظيفية والذات الأصيلة (Self-Discrepancy):
الإنسان يعيش أدوارًا فعّالة — موظف، زوج، أب/أم — لكن الإحساس بالهوية الداخلية ضعيف. يعرف كيف يؤدي، لكنه لا يشعر أنه يختار.

في العمل، يظهر ما يُعرف بـ الاحتراق الوجودي (Existential Burnout):
ليس تعبًا جسديًا، بل فقدان الإحساس بأن الجهد مرتبط بمعنى شخصي. الأداء مستمر، لكن الشعور بالانخراط النفسي منخفض.

في الزواج، يظهر ما يُسمّى تآكل الهوية العاطفية (Relational Identity Erosion):
العلاقة تتحول إلى نظام إدارة وظيفي، ويختفي تدريجيًا الإحساس بالذات المستقلة داخل العلاقة.

النتيجة النفسية للأزمة:
انخفاض الشعور بالكفاءة الذاتية (Self-Efficacy).
قلق وجودي مزمن.
اندفاع نحو تغييرات مفاجئة دون خطة.
إحساس حاد بالوقت الضائع.
تذبذب في الرضا المهني والعاطفي.

النتيجة العصبية:
انخفاض نشاط نظام المكافأة.
زيادة نشاط دوائر التهديد والقلق.
ضعف الإحساس بالمتعة طويلة المدى.
ارتفاع الاجترار الذهني (Rumination).

الخلاصة النفسية الدقيقة:
أزمة منتصف العمر ليست خوفًا من الشيخوخة،
بل انهيار وهم طويل بأن الاستقرار الاجتماعي يساوي معنى نفسي.
الإنسان لا ينهار لأنه كبر،
بل لأنه اكتشف أن حياته كانت متكيّفة أكثر مما كانت مختارة.

أ.د/ مروة صبري