أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

كيف يتحول السعي لإرضاء الأهل إلى فقدان تدريجي للذات؟

كيف يتحول السعي لإرضاء الأهل إلى فقدان تدريجي للذات؟

الابن “المثالي” لا يتكوّن عادة بدافع الحب، بل بدافع التكيّف. الطفل يتعلّم مبكرًا أن القبول داخل الأسرة ليس ثابتًا، بل مرتبط بالسلوك: عندما يرضي يُكافَأ، وعندما يعترض يُقابَل بالبرود أو النقد أو سحب الاهتمام.

هنا يبدأ الدماغ في بناء معادلة داخلية بسيطة:
القبول = التنازل عن النفس.
في علم النفس يُوصف هذا النمط بما يُسمّى الذات المتوافقة (Compliant Self)، حيث تتشكّل الهوية حول سؤال واحد: ماذا يريدون مني؟ لا: ماذا أريد أنا؟ الطفل لا يطوّر رغباته، بل يطوّر مهارته في قراءة توقعات الآخرين بدقة عالية.

من الناحية العصبية، هذا النمط يرتبط بفرط نشاط في دوائر المراقبة الاجتماعية في الدماغ، خصوصًا المناطق المسؤولة عن التقييم والتهديد الاجتماعي. أي أن الجهاز العصبي يعيش في حالة يقظة دائمة: هل أنا مقبول الآن؟ هل قلت شيئًا خاطئًا؟ هل تسببت في إزعاج؟ فيتحول إرضاء الآخرين إلى استجابة تلقائية، لا اختيار واعٍ.

مع الوقت، يتكوّن ما يُعرف بـ الاعتماد على القبول الخارجي (External Validation Dependence). تقدير الذات لا يأتي من الداخل، بل من ردود فعل الأسرة. الإنسان يشعر بقيمته فقط عندما يكون “جيدًا”، “مطيعًا”، “ناجحًا”، “غير مزعج”. وأي اختلاف داخلي يُقابَل بشعور فوري بالذنب.
المشكلة أن هذا الدور يُنتج أداءً عاليًا، لكن هوية هشّة.
الشخص يعرف كيف يتصرّف، لكنه لا يعرف ماذا يشعر.
يعرف كيف يكون مناسبًا، لكنه لا يعرف كيف يكون صادقًا مع نفسه.

نفسيًا، الابن المثالي يعيش حالة مزمنة من كبت الذات (Self-Suppression). المشاعر السلبية لا تُعبَّر، الغضب لا يُقال، الرفض لا يُعلن، الاحتياج لا يُظهر. كل ما لا يتناسب مع صورة “الابن الجيد” يتم دفنه داخليًا.
النتيجة على المدى الطويل ليست نجاحًا نفسيًا، بل إنهاك صامت:
صعوبة في اتخاذ قرارات شخصية.
خوف مبالغ فيه من خيبة الآخرين.
إحساس دائم بالذنب عند أي اختيار مستقل.
فراغ داخلي لأن الحياة تُدار وفق توقعات لا رغبات.

الابن المثالي لا يفقد نفسه دفعة واحدة،
بل يفقدها ببطء شديد،
عبر آلاف المواقف الصغيرة التي اختار فيها السلام الخارجي على الصدق الداخلي.وفي النهاية، قد ينجح اجتماعيًا بالكامل،
لكن يعيش داخليًا بسؤال واحد لا يجد له إجابة:
من أنا خارج الدور الذي أتقنته طوال حياتي؟

أ.د/ مروة صبري