أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

لماذا نشتاق لمن آذانا أكثر ممن أحبّنا؟

لماذا نشتاق لمن آذانا أكثر ممن أحبّنا؟

من أكثر الأسئلة إرباكًا بعد الانفصال أن يكتشف الإنسان أنه يشتاق بشدّة لشخص كان سببًا مباشرًا في ألمه، بينما لا يشعر بنفس القوة تجاه من عامله بلطف واحترام. هذا التناقض لا يبدو منطقيًا، لكنه في الحقيقة مفهوم نفسيًا وعصبيًا بشكل واضح.

الاشتياق لا يقيس جودة العلاقة، بل قوة الارتباط العصبي.
العلاقات المؤذية غالبًا تكون غير مستقرة: قرب ثم بعد، اهتمام ثم تجاهل، وعد ثم خيبة. هذا النمط المتقلّب يخلق في الدماغ حالة دائمة من الترقّب. كل لحظة اهتمام تصبح مكافأة نادرة، وكل لحظة تجاهل تصبح تهديدًا. هذا التذبذب هو ما يجعل العلاقة شديدة التأثير، وليس الحب نفسه.

من الناحية العلمية، هذا النوع من العلاقات ينشّط نظام المكافأة في الدماغ بشكل أقوى من العلاقات المستقرة. عدم التوقع يرفع الدوبامين أكثر من الاستقرار. لذلك يشعر الإنسان بـ”شغف” أعلى، رغم أن التجربة في مجملها مرهقة ومؤلمة.
بمرور الوقت، يتحول الشخص المؤذي إلى مصدر مركزي للتنشيط العصبي. العقل يتعلّق ليس لأن العلاقة مريحة، بل لأنها مُكثّفة شعوريًا. فيها خوف، أمل، قلق، انتظار، صدمة، ثم لحظة راحة مؤقتة. هذا الخليط يخلق ارتباطًا أعمق من علاقات هادئة لا تثير الجهاز العصبي بنفس الدرجة.

لهذا نشتاق لمن آذانا:
لأنهم لم يكونوا مجرد أشخاص، بل كانوا نظامًا كاملًا من المشاعر.
أما من أحبّنا بهدوء، فغالبًا لم يربك الجهاز العصبي، لم يخلق توترًا، لم يجعلنا نعيش في حالة ترقّب دائم. العلاقة كانت صحية، لكنها لم تترك “أثرًا عصبيًا قويًا”. لذلك لا يكون الاشتياق بنفس الحدة.
من الناحية النفسية أيضًا، الإنسان يربط أحيانًا بين الألم والقيمة. كلما تألم أكثر، شعر أن العلاقة كانت أعمق. فيبدأ العقل يفسّر المعاناة على أنها دليل حب، لا دليل خلل.

وهنا يحدث الخلط الكبير:
نشتاق لأن العلاقة كانت قوية شعوريًا،
فنظن أنها كانت جيدة عاطفيًا.
بينما الحقيقة أن القوة لا تعني الصحة،
والشدة لا تعني العمق.
الاشتياق لمن آذانا لا يعني أننا نحبهم أكثر،
بل يعني أن الجهاز العصبي لم يفك ارتباطه بهم بعد.

الشفاء الحقيقي لا يكون بنسيان الشخص فورًا، بل بفهم طبيعة التعلّق نفسها. أن ندرك أن ما نفتقده ليس الشخص كما هو، بل الحالة الشعورية التي كان يخلقها داخلنا: التوتر، الأمل، الخوف، الإدمان العاطفي.
وعندما يبدأ الإنسان في بناء علاقات لا تقوم على القلق بل على الأمان، يكتشف شيئًا غريبًا: الاشتياق يصبح أهدأ، أقل درامية، أقل ألمًا. ليس لأن الحب أقل، بل لأن الجهاز العصبي لم يعد يعيش في حالة طوارئ.

عندها فقط نفهم الفرق الحقيقي:
نحن لا نشتاق لمن أحبّنا أقل،
بل لمن أربكنا أكثر.

أ.د/ مروة صبري