أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

العائلة التي لا تشبهك: أزمة الهوية داخل البيت

العائلة التي لا تشبهك: أزمة الهوية داخل البيت

العائلة التي لا تشبهك: أزمة الهوية داخل البيت
أن تنشأ داخل عائلة لا تشبهك نفسيًا أو فكريًا أو قيميًا ليس تجربة بسيطة، بل أزمة هوية حقيقية تحدث بصمت. أنت تعيش وسط ناس من دمك واسمك، لكنك لا تجد نفسك في طريقتهم في التفكير، ولا في نظرتهم للحياة، ولا في ما يعتبرونه مهمًا أو طبيعيًا.

من الناحية النفسية، الهوية لا تتكوّن في الفراغ، بل عبر الانعكاس. الإنسان يتعرّف على نفسه من خلال ردود فعل الآخرين عليه. عندما يقول لك محيطك: أنت مفهوم، طبيعي، مقبول — تتشكل ذات مستقرة.
لكن عندما لا يجد الإنسان أي انعكاس لذاته داخل أسرته، تبدأ الهوية في التكوّن بطريقة مضطربة.

علميًا، هذا يرتبط بما يُسمّى اضطراب التماهي (Identity Diffusion).
الفرد لا يعرف هل المشكلة فيه أم في البيئة.
هل هو فعلاً غريب؟ أم أن المكان لا يتّسع له؟
فيكبر وهو في حالة مقارنة مستمرة: لماذا أفكر هكذا وهم لا؟
لماذا أشعر بما لا يشعرون به؟
لماذا ما يهمني لا يهمهم؟
ومع الوقت، يتحول الاختلاف من تنوّع صحي إلى شك داخلي في الذات.

العائلة التي لا تشبهك تشبه العيش في بيت مصمَّم لشخص آخر. كل شيء يعمل، لكنه لا يناسب مقاسك النفسي. تحاول أن تتكيّف، أن تصغّر نفسك قليلًا، أن تبتلع أسئلتك، أن تغيّر نبرتك، فقط لكي لا تكون نشازًا.
لكن الثمن النفسي لهذا التكيّف كبير.
الإنسان يبدأ في تكوين ذات مزدوجة: ذات داخل البيت (مخففة، حذرة، متكيّفة)،
وذات خارج البيت (أقرب لحقيقته).
هذا الانقسام يخلق شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار:
لا هو مرتاح في البيت،
ولا هو قادر على الانفصال الكامل عنه.
المشكلة ليست في الاختلاف نفسه، بل في عدم الاعتراف به.

لو كانت العائلة تسمح بالمساحات، بالأسئلة، بالطرق المختلفة في العيش، يتحول الاختلاف إلى ثراء.
لكن عندما يُقابَل الاختلاف بالنقد أو السخرية أو التقليل، يتحول إلى أزمة هوية.
الإنسان هنا لا يسأل فقط: من أنا؟
بل: هل لي الحق أن أكون ما أنا عليه؟
الشفاء لا يعني أن تغيّر نفسك لتشبههم، ولا أن ترفضهم بالكامل، بل أن تفصل بين هويتك وتقييمهم لها. أن تدرك أن عدم التشابه لا يعني الخطأ، وأن الانتماء لا يجب أن يكون على حساب الذات.

أحيانًا، النضج الحقيقي هو أن تقبل حقيقة مؤلمة بهدوء:
أن عائلتك قد تكون جزءًا من حياتك،
لكنها ليست بالضرورة المرجع الذي تُبنى عليه هويتك.

وحين يبدأ الإنسان في تكوين دوائر أخرى تشبهه — أصدقاء، شركاء، مجتمعات فكرية — تتحول العائلة من مرآة إجبارية إلى علاقة واحدة من علاقات كثيرة.

عندها فقط تتوقف عن محاولة أن تكون مفهومًا في المكان الخطأ،
وتبدأ في أن تكون نفسك في المكان الذي يتّسع لك.

أ.د/ مروة صبري