أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

فقدان الدافعية المزمن: الفرق بين الاكتئاب وغياب المعنى

فقدان الدافعية المزمن: الفرق بين الاكتئاب وغياب المعنى

كثير من الناس يشعرون بفقدان الدافعية لفترات طويلة دون أن يكونوا مكتئبين بالمعنى الطبي الواضح. لا يوجد حزن شديد، ولا نوبات بكاء، ولا رغبة في إيذاء النفس، لكن يوجد شيء أخف وأثقل في الوقت نفسه: فراغ، لا مبالاة، صعوبة في البدء، إحساس بأن كل شيء بلا طعم.
وهنا يحدث الخلط الكبير بين حالتين مختلفتين نفسيًا: الاكتئاب وغياب المعنى.

الاكتئاب اضطراب مزاجي يرتبط بتغيرات واضحة في كيمياء الدماغ، خصوصًا في السيروتونين والدوبامين. أعراضه الأساسية تشمل حزن مستمر، فقدان متعة عام، اضطرابات نوم وشهية، أفكار سلبية عن الذات والمستقبل. الإنسان المكتئب يشعر أنه سيئ، والعالم سيئ، والحياة عبء ثقيل.
أما غياب المعنى فهو حالة وجودية أكثر منها مرضية. الشخص هنا قد يكون قادرًا على العمل، الضحك، التواصل، لكنه داخليًا لا يرى سببًا حقيقيًا لما يفعل. يسأل نفسه بصمت: ولماذا؟ ما الفكرة؟ ما الجدوى من كل هذا؟

الفرق الجوهري أن المكتئب لا يستطيع،
بينما من يعاني غياب المعنى لا يرى لماذا يجب أن يستطيع.
من الناحية العصبية، غياب المعنى مرتبط بانخفاض مستمر في نشاط نظام المكافأة. الدماغ لا يفرز الدوبامين لأن الأفعال لا ترتبط بهدف داخلي. ليس لأن الشخص عاجز، بل لأن النشاط نفسه لا يحمل قيمة ذاتية بالنسبة له.
في الاكتئاب، المشكلة في القدرة.
في غياب المعنى، المشكلة في الاتجاه.

لهذا نجد أشخاصًا ناجحين اجتماعيًا ومهنيًا يشعرون بدافعية صفر تقريبًا. ينجزون ما هو مطلوب، لكن بلا إحساس حقيقي بالحياة. كل شيء يؤدي إلى شيء آخر، دون محطة يشعر عندها أن هذا يستحق الجهد.

غياب المعنى يشبه السير في طريق مستقيم بلا علامات. لا يوجد ألم حاد، لكن يوجد إحساس طويل بالتيه. تستيقظ كل يوم، تفعل ما عليك، تنام، وتكرر الدورة دون أن تشعر أنك تعيش قصة لها معنى.
الخطر أن هذه الحالة كثيرًا ما تُساء قراءتها. يُقال للشخص: أنت كسول، أنت محبط، أنت تحتاج دافع. بينما الحقيقة أنه لا يحتاج دافعًا، بل يحتاج سؤالًا صادقًا عن اتجاه حياته.

الدافعية لا تأتي من الطاقة فقط، بل من الشعور بأن ما نفعله مرتبط بشيء أكبر منا: قيمة، هدف، رسالة، حتى لو كانت بسيطة. عندما يعيش الإنسان حياة مفروضة عليه بالكامل — دراسة اختارها غيره، عمل دخله أفضل من معناه، علاقات قائمة على التوقعات — يبدأ الدافع في التآكل ببطء.
ليس لأن الشخص مريض،
بل لأن حياته لا تشبهه.

الشفاء من غياب المعنى لا يكون بالأدوية وحدها، ولا بالتحفيز السريع، بل بإعادة طرح سؤال مخيف:
هل ما أعيشه يعبر عني فعلًا؟ أم أنا أؤدي دورًا فقط؟

أحيانًا، أكثر ما يبدو اكتئابًا ليس مرضًا،
بل احتجاج داخلي صامت على حياة بلا معنى.

والدافعية الحقيقية لا تُصنَع بالضغط،
بل تظهر عندما يشعر الإنسان لأول مرة أن ما يفعله… يخصه هو، لا مجرد استجابة لما يُطلب منه.

أ.د/ مروة صبري