نعيش في عصر لم يكن فيه عدد الخيارات أكبر مما هو عليه الآن: تخصصات لا تُحصى، مسارات مهنية متعددة، طرق مختلفة للحياة، أنماط نجاح متناقضة، ونماذج لا تنتهي لما “يجب أن نكونه”. منطقيًا، يفترض أن كثرة الخيارات تعني حرية أكبر. لكن نفسيًا، النتيجة غالبًا عكس ذلك تمامًا: ارتباك، قلق، وتجمّد عن اتخاذ أي قرار.
علم النفس يسمّي هذا الظاهرة مفارقة الاختيار (Paradox of Choice).
كلما زادت الخيارات، زاد شعور الإنسان بأن أي اختيار سيحرمه من احتمالات أخرى، فيدخل في حالة شلل ذهني بدل الشعور بالتحرر.
من الناحية العصبية، الدماغ لا يتعامل مع الخيارات الكثيرة كفرص، بل كتهديدات. كل خيار يحتاج تقييمًا: ماذا سأكسب؟ ماذا سأخسر؟ ماذا لو كان الخيار الآخر أفضل؟ هذا التحليل المستمر يستهلك طاقة عقلية كبيرة، ويُنشّط مناطق مرتبطة بالقلق واتخاذ القرار.
فيبدأ العقل في الدوران داخل أسئلة لا تنتهي: ماذا لو اخترت غلط؟
ماذا لو ندمت؟
ماذا لو ضيّعت أفضل نسخة من حياتي؟
وهنا تظهر حالة Decision Fatigue (إرهاق القرار):
الإنسان لا يفشل لأنه لا يعرف ماذا يريد،
بل لأنه يفكر في كل ما يمكن أن يخسره في الوقت نفسه.
كل خيار يصبح عبئًا، لا خطوة.
أدبيًا، كثرة الخيارات تشبه الوقوف في تقاطع طرق لا توجد فيه لافتات. كل طريق يبدو محتملًا، وكل طريق يلغي الآخر. فبدل أن تمشي، تظل واقفًا تحاول أن ترى المستقبل من نقطة واحدة، وهو شيء مستحيل.
المشكلة ليست في أن الخيارات كثيرة، بل في أن الهوية غير مستقرة. عندما لا يعرف الإنسان من هو، يصعب عليه أن يعرف ماذا يختار. فيتحول القرار من سؤال: “ما الذي يناسبني؟” إلى سؤال مرعب: “أي حياة هي الحياة الصحيحة؟”
وهذا سؤال لا يمكن للعقل تحمّله.
كثير من الناس يعلّقون في هذه الحالة سنوات:
يؤجلون الدراسة.
يؤجلون تغيير العمل.
يؤجلون العلاقات.
يؤجلون أي خطوة، لأن كل خطوة تعني خسارة احتمالات أخرى.
في النهاية، لا يختارون شيئًا…
فيختار الزمن عنهم.
علميًا، الدماغ يحتاج قيودًا ليعمل بوضوح. عندما تقل الخيارات، يزيد الرضا. عندما تزيد، يقل الشعور بالاطمئنان حتى بعد اتخاذ القرار. لأن العقل يظل يتخيل السيناريوهات التي لم يعشها.
التحرر الحقيقي من مفارقة الاختيار لا يأتي من البحث عن “أفضل خيار”، بل من تغيير السؤال نفسه:
بدل “أي طريق هو الصحيح؟”
نسأل: “أي طريق أستطيع أن ألتزم به نفسيًا الآن؟”
لا يوجد مسار كامل.
لا يوجد اختيار بلا خسارة.
ولا توجد حياة واحدة صحيحة.
كل اختيار هو حياة واحدة من بين آلاف ممكنة،
والنضج النفسي هو أن نقبل أن بقية الحيوات ستظل غير معاشة… دون أن نعيش في حداد عليها.
أحيانًا، الشلل لا يعني أننا تائهون،
بل يعني أننا نريد حياة بلا ندم.
وهي حياة غير موجودة أصلًا.