الخوف من البداية الجديدة لا يأتي من الجهل بالطريق، بل من معرفة الطريق السابق أكثر مما ينبغي. الإنسان لا يخاف المجهول فقط، بل يخاف أيضًا فقدان ما استثمر فيه: وقت، جهد، صورة ذاتية، تاريخ شخصي. كل بداية جديدة تعني ضمنيًا أن ما قبلها لم يكن كافيًا، أو لم يعد صالحًا، وهذا تهديد مباشر لهوية بُنيت على مسار معيّن.
هذا الخوف مرتبط بما يُسمّى تكلفة الغرق (Sunk Cost Fallacy).
العقل يميل للاستمرار في مسار ما فقط لأننا استثمرنا فيه كثيرًا، حتى لو لم يعد مناسبًا. ليس لأن المسار جيد، بل لأن فكرة التخلي عنه مؤلمة نفسيًا. كأن العقل يقول: لو بدأت من جديد، فهذا يعني أن السنوات الماضية ضاعت.
من الناحية العصبية، البداية الجديدة تُنشّط نظام التهديد.
الدماغ يحب التنبؤ والاستقرار. أي تغيير كبير يعني فقدان السيطرة المؤقتة، انخفاض القدرة على التوقع، وزيادة احتمال الخطأ. هذه الحالة ترفع مستوى القلق وتجعل الجسم في وضع دفاعي، حتى لو كان التغيير إيجابيًا.
لهذا يشعر كثير من الناس براحة غريبة في حياة لا يحبونها،
وخوف شديد من حياة قد يحبونها.
الروتين المرهق مألوف.
البداية الجديدة غير معروفة.
والدماغ يفضّل الألم المعروف على الراحة المجهولة.
الخوف من البدء من جديد يشبه الوقوف أمام بحر بعد أن قضيت عمرك على الشاطئ. قد يكون البحر أجمل، أوسع، أصدق… لكنك تعرف الرمل جيدًا، حتى لو كان يحرق قدميك.
الخوف الحقيقي ليس من الفشل، بل من إعادة تعريف الذات.
من أنا إذا لم أكن هذا الشخص؟
ماذا أقول عن نفسي؟
كيف أبرّر الماضي؟
البداية الجديدة تهدد القصة التي نحكيها عن أنفسنا. الإنسان لا يعيش فقط أحداثًا، بل يعيش سردية: أنا درست كذا، اشتغلت كذا، اخترت كذا. أي تغيير جذري يعني أن هذه السردية تحتاج إعادة كتابة، وهذا أمر مرهق نفسيًا.
لهذا كثير من الناس يؤجلون التغيير سنوات وهم يقولون: “مش وقته”، “بعد شوية”، “خليني أكمّل اللي بدأت فيه”. بينما الحقيقة أنهم لا يخافون التوقيت، بل يخافون الفراغ الذي يسبق الهوية الجديدة.
البدء من جديد لا يعني الفشل،
بل يعني أن الوعي سبق المسار مرة أخرى.
والنضج النفسي أحيانًا لا يكون في الصبر،
بل في الشجاعة على الاعتراف أن ما كان مناسبًا أمس… لم يعد مناسبًا اليوم.
أخطر وهم نعيشه ليس أن نفشل إذا بدأنا من جديد،
بل أن ننجح في مسار لا يشبهنا،
فنقضي العمر كله ناجحين في حياة ليست لنا..