- كثير من الناس يمرّون بحياتهم وهم يشعرون أن هناك مسافة خفية بينهم وبين أنفسهم. يعيشون، يعملون، ينجحون، يكوّنون علاقات، لكن في لحظة صادقة يسألون: هل هذا أنا فعلًا؟ أم أنا ألعب دورًا تعلّمته جيدًا؟
هذا السؤال ليس فلسفيًا فقط، بل نفسي بامتياز.
الإنسان يطوّر منذ الطفولة ما يُسمّى الذات الاجتماعية (Social Self): النسخة التي نعرضها للآخرين كي نحصل على القبول والانتماء. هذه الذات تتشكّل من ردود الفعل الأولى: ما الذي يُكافَأ؟ ما الذي يُرفض؟ متى أُحَب؟ متى أُتجاهَل؟
فيتعلم الطفل مبكرًا معادلة بسيطة: بعض السلوكيات = قبول
بعض المشاعر = خطر
ومع الوقت، تتحول هذه المعادلة إلى شخصية كاملة.
من الناحية النفسية، هناك فرق بين:
الذات الأصيلة (Authentic Self): ما نشعر به ونريده فعلًا.
الذات المؤداة (Performed Self): ما نعرضه لكي نتناسب مع التوقعات.
المشكلة ليست في وجود ذات اجتماعية، لأنها ضرورية للتعايش. المشكلة تبدأ عندما تصبح هي النسخة الوحيدة المسموح لها بالظهور.
هنا لا نعود نعيش، بل نؤدي.
نختار تخصصًا لأن “ده اللي ينفع”.
نقبل وظيفة لأن “دي خطوة منطقية”.
ندخل علاقة لأن “وقته”.
نلبس، نتكلم، نضحك، ونغضب ضمن حدود مقبولة اجتماعيًا.
لكن قليلًا ما نسأل:
هل هذا يشبهني؟
أم فقط يشبه ما يُتوقَّع مني؟
من الناحية العصبية، الأداء المستمر يستهلك طاقة نفسية عالية. لأن الدماغ يعمل في وضع مراقبة دائم: كيف أبدو؟ كيف أُفهم؟ هل أنا مقبول الآن؟ هذه المراقبة تُنشّط مناطق مرتبطة بالقلق أكثر من مناطق الرضا.
لهذا يشعر كثير من الناس بالإرهاق رغم أن حياتهم “مظبوطة”.
التعب ليس من العمل فقط، بل من تمثيل الذات طوال الوقت.
أداء الدور الاجتماعي يشبه الوقوف على مسرح بلا نهاية. الجمهور يتغير، لكن العرض لا يتوقف. ومع الوقت، تنسى ملامحك الحقيقية خلف الشخصية التي أتقنتها.
الخطر الأكبر أن الإنسان قد ينجح نجاحًا كاملًا في دور لا يشبهه. فيحصل على كل ما يُفترض أن يجعله سعيدًا، لكنه يشعر داخليًا بفراغ لا يعرف تفسيره. ليس لأنه فاشل، بل لأنه غير حاضر في حياته.
الفرق بين العيش والأداء ليس في الأفعال، بل في الإحساس الداخلي: هل أفعل هذا لأنني أريده؟
أم لأنني لا أستطيع تخيّل نفسي خارج هذا الدور؟
نعيش حياتنا عندما:
نختار رغم الخوف.
نختلف دون شعور بالذنب.
نغيّر رأينا دون الحاجة لتبرير طويل.
نسمح لأنفسنا أن نكون غير مثاليين.
ونؤدي دورًا اجتماعيًا عندما:
نراقب أنفسنا أكثر مما نشعر بها.
نعيش وفق سيناريو جاهز.
نخاف أن نخسر صورتنا أكثر مما نخاف أن نخسر ذاتنا.
المفارقة أن المجتمع لا يطلب منا دائمًا هذا الأداء الصارم،
لكننا نطلبه من أنفسنا لأننا تعلّمنا أن القبول مشروط.
التحرر الحقيقي لا يعني أن نتمرّد على كل شيء،
بل أن نعيد الاتصال بالذات التي لا تحتاج تصفيقًا.
أن نعيش من الداخل إلى الخارج،
لا من التوقع إلى الفعل.
أحيانًا، أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان
ليس أن يفشل اجتماعيًا،
بل أن ينجح تمامًا… في حياة لم يخترها بصدق.