أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

لماذا يشبه الانفصال أعراض الانسحاب من الإدمان؟

لماذا يشبه الانفصال أعراض الانسحاب من الإدمان؟

الانفصال لا يؤلم نفسيًا فقط، بل فسيولوجيًا أيضًا. كثيرون يصفون شعورهم بعد الانفصال وكأنهم يمرّون بأعراض انسحاب حقيقية: قلق شديد، أرق، فقدان شهية، رغبة قهرية في التواصل، تفكير قسري في الشخص، وإحساس داخلي بالفراغ. هذا التشابه ليس مجازيًا، بل له تفسير علمي مباشر.

عندما نحب شخصًا ونتعلّق به، يفرز الدماغ مواد كيميائية مرتبطة بالمكافأة والارتباط مثل الدوبامين والأوكسيتوسين. هذه المواد تجعل وجود الشخص مرتبطًا بالإحساس بالراحة والأمان والمتعة. مع الوقت، يتحول الشخص نفسه إلى “منبّه عصبي”؛ مجرد رؤيته أو التفكير فيه يكفي لتنشيط نظام المكافأة في الدماغ.

عند الانفصال، يحدث انقطاع مفاجئ في هذا المصدر. الدماغ الذي اعتاد على مستوى معيّن من التحفيز الكيميائي يفقده دفعة واحدة، فيدخل في حالة تشبه تمامًا ما يحدث في انسحاب المخدرات أو النيكوتين. تنخفض مستويات الدوبامين، فيظهر الاكتئاب والفراغ. ينخفض الأوكسيتوسين، فيظهر القلق والشعور بالوحدة. يرتفع الكورتيزول، فيشعر الإنسان بالتوتر والتهديد الداخلي.

لهذا لا يكون الاشتياق مجرد حنين، بل رغبة جسدية حقيقية. الجسم لا يطلب الشخص لأنه “لطيف”، بل لأنه كان مصدر توازن كيميائي. الانفصال هنا لا يُترجم كفقد علاقة فقط، بل كفقد استقرار عصبي.
من الناحية النفسية، العقل يحاول مقاومة هذا الألم عبر استدعاء الذكريات الجميلة فقط. كأن الدماغ يقول: لو رجع الشخص، رجع التوازن. فيتم تلميع الماضي، وتُحذف لحظات الأذى، ويظهر الاشتياق في صورة “حنين”، بينما هو في جوهره محاولة بيولوجية لإيقاف الانسحاب.

وهنا يحدث الصراع: الإنسان يعرف عقليًا أن العلاقة انتهت، لكن جسده لم يستوعب بعد. الجهاز العصبي ما زال يتصرف كأن الشخص حيّ في النظام، غائب فقط مؤقتًا. لذلك تظهر السلوكيات القهرية: تفقد الهاتف، مراقبة الحسابات، الرغبة في إرسال رسالة، إعادة قراءة المحادثات القديمة. ليست ضعف شخصية، بل محاولات تلقائية لإعادة تنشيط النظام القديم.

مع الوقت، يبدأ الدماغ في إعادة التوازن ببطء. يكوّن مصادر جديدة للمكافأة، ويخفّ الاعتماد الكيميائي على الشخص. لكن هذه العملية تحتاج وقتًا، لأن الجهاز العصبي يتغير أبطأ بكثير من القناعات العقلية.
لهذا يُشبه الانفصال الإدمان، لأن الحب نفسه كان نوعًا من الارتباط العصبي. وما يؤلم ليس فقط غياب الشخص، بل إعادة برمجة الدماغ على حياة لا يكون فيها هذا الشخص جزءًا من التوازن الداخلي.
الشفاء الحقيقي لا يعني نسيان الشخص فورًا، بل أن يتعلم الجسد تدريجيًا أن يشعر بالأمان دون وجوده. عندها فقط يتوقف الاشتياق عن كونه حاجة جسدية، ويصبح ذكرى يمكن التفكير فيها دون ألم حاد..

أ.د/ مروة صبري