من أكثر المشاعر إرباكًا بعد فقد شخص بالموت هو الشعور بالذنب.
ذنب بلا سبب واضح، بلا خطأ حقيقي، بلا فعل يمكن الرجوع إليه. فقط إحساس ثقيل يقول: كان يجب أن أفعل شيئًا أكثر. كان يجب أن أقول كلمة، أزور أكثر، أغضب أقل، أفهم أسرع، أنتبه بدري.
حتى في حالات لم يكن للإنسان فيها أي دور في الموت، يظهر الذنب كأنه حقيقة نفسية لا تقبل الجدل.
علميًا، هذا الشعور مفهوم جدًا.
العقل البشري لا يتحمّل فكرة العجز المطلق بسهولة. الموت حدث لا يمكن السيطرة عليه، لا يمكن إصلاحه، ولا يمكن التراجع عنه. وهذا النوع من الأحداث يهدد إحساس الإنسان بأنه كائن قادر على الفهم والتحكم.
فيحاول العقل أن يعيد بناء القصة بطريقة تعطيه دورًا ما، حتى لو كان هذا الدور سلبيًا.
بدل أن يقول: “هذا حدث خارج قدرتي”،
يقول: “لو كنت فعلت كذا، ربما لم يحدث”.
الذنب هنا ليس اتهامًا للنفس بقدر ما هو محاولة لاستعادة الإحساس بالسيطرة.
من ناحية نفسية أعمق، الذنب بعد الموت مرتبط بما يُسمّى الارتباط غير المكتمل. العلاقات المهمة لا تنتهي في اللحظة التي يموت فيها الشخص، بل تبقى أسئلة معلّقة: أشياء لم تُقل، مشاعر لم تُعبَّر، خلافات لم تُحل. هذه الفجوات تتحول داخليًا إلى شعور بالمسؤولية.
كأن النفس تقول: بما أن القصة لم تكتمل، فلا بد أن أحدنا أخطأ.
ولأن الطرف الآخر غاب، يبقى الاتهام موجهًا للذات فقط.
كثير من الناس يشعرون بالذنب حتى في تفاصيل غير منطقية:
“كنت مشغول آخر مرة كلمني.”
“زهقت من شكواه.”
“ماكنتش حاضر يوم تعبه.”
العقل يضخّم هذه اللحظات الصغيرة ويحوّلها إلى رموز للفقد كله.
ليس لأنها السبب، بل لأنها آخر نقاط اتصال مع الشخص.
من الناحية العصبية، الذنب أيضًا وسيلة لتفريغ الألم.
الألم الخالص (الحزن الصافي) شعور مفتوح بلا تفسير.
أما الذنب فيعطي للألم شكلًا منطقيًا: سبب ونتيجة.
وهذا يجعل الوجع أسهل قليلًا على الجهاز النفسي.
أدبيًا، الذنب بعد الموت هو محاولة مستحيلة لإعادة كتابة النهاية.
كأننا نعود إلى القصة ونقول: لو غيرنا هذا السطر، ربما لم تمت الشخصية.
لكن الحقيقة الأعمق أن الذنب ليس دليل خطأ،
بل دليل محبة.
هو بقايا علاقة لم تستوعب نهايتها بعد.
صوت داخلي يرفض أن يقبل أن هذا الشخص خرج من الزمن دون وداع كامل.
الشفاء لا يأتي بمحاربة الذنب مباشرة، بل بفهمه.
أن ندرك أن الشعور لا يعني أننا مقصّرون،
بل أننا بشر أحبّوا، ولم يحصلوا على فرصة الختام.
مع الوقت، يتحول الذنب إلى حزن أنقى،
ثم إلى حنين،
ثم إلى ذكرى لا تؤلم بنفس الطريقة.
نحن لا نشعر بالذنب لأننا أخطأنا بالضرورة،
بل لأن الحب لا يعرف كيف يتعامل مع النهايات المفاجئة.