من أكثر الحالات النفسية شيوعًا في مرحلة الشباب وما بعدها هو الإحساس بأننا تائهون في منتصف الطريق. لا نحن في البداية حيث كل شيء مفتوح، ولا نحن في النهاية حيث الأمور واضحة. نحن في منطقة رمادية: قطعنا شوطًا، استثمرنا وقتًا وجهدًا، لكننا لم نصل إلى الإحساس الذي كنا نتخيله.
هذا الشعور مرتبط بما يُسمّى أزمة المعنى المرحلية (Midlife / Quarter-life Existential Crisis). وهي لا تحدث بسبب فشل مباشر، بل بسبب فجوة بين التوقع والواقع. الإنسان يبني في عقله صورة مستقبلية عن نفسه: أين سيكون؟ ماذا سيشعر؟ كيف ستبدو حياته؟ وعندما يصل إلى مرحلة متقدمة دون أن يشعر بهذا التطابق، يبدأ الارتباك.
الدماغ هنا لا يشتكي من التعب، بل من فقدان الاتجاه.
السؤال لا يكون: هل أنا مرهق؟
بل: هل أنا ماشي في الاتجاه الصح أصلًا؟
من الناحية العصبية، الإنسان يحتاج إحساسًا بالتقدّم ليحافظ على الدافعية. عندما يشعر أن الحركة موجودة لكن المعنى غائب، ينخفض نشاط نظام المكافأة. فيبدأ الشعور بالملل العميق، اللامبالاة، والفراغ رغم الإنجاز.
لهذا نرى أشخاصًا يقولون: “مش وحش… بس مش مبسوط.”
“وصلت لحاجات كتير… بس حاسس إني تايه.”
“مش عارف أكمل ولا أرجع.”
الضياع في منتصف الطريق يشبه السير في صحراء بعد أن نفدت اللافتات. لا يوجد خطر فوري، لكن لا يوجد اتجاه واضح أيضًا. لا تعرف هل المشكلة في الطريق، أم فيك أنت، أم في الفكرة التي بدأت بها الرحلة أصلًا.
الخطير في هذه المرحلة أن الإنسان قد يقع في فخّين:
الاستمرار الآلي: يكمل لأنه بدأ، لا لأنه يريد.
الهدم الكامل: يدمّر كل شيء لأنه فقد الإحساس، دون فهم السبب.
بينما الحقيقة أن الضياع غالبًا ليس فشلًا، بل مرحلة مراجعة. العقل يطلب تحديثًا للصورة القديمة عن الذات. ما كان منطقيًا في سن معينة قد لا يكون مناسبًا بعد سنوات من التجربة.
الشعور بالضياع لا يعني أنك في المكان الخطأ بالضرورة،
بل يعني أنك لم تعد نفس الشخص الذي بدأ الرحلة.
والفرق كبير بين الاثنين.
الشفاء لا يكون بإجبار النفس على الحماس، ولا بالقفز العشوائي لمسار جديد، بل بالتوقف الصادق للسؤال: هل ما أعيشه يعبر عني الآن؟
أم عن نسخة قديمة مني لم تعد موجودة؟
أحيانًا، منتصف الطريق ليس مكانًا نصل فيه،
بل نقطة نُعاد فيها صياغة الاتجاه.
والضياع هنا ليس علامة فشل،
بل علامة أن الوعي سبق المسار،
وأن الحياة تطلب تحديثًا للمعنى… لا مجرد زيادة في السرعة.