أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

كيف يغيّر الموت تصورنا عن الحياة؟

كيف يغيّر الموت تصورنا عن الحياة؟

الموت لا يغيّر حياتنا فقط، بل يغيّر الطريقة التي نفهم بها الحياة نفسها. قبل الفقد، نعيش الزمن كأنه ممتد، مفتوح، فيه دائمًا “لاحقًا” و”بعد ذلك”. بعد الموت، ينكسر هذا الإحساس فجأة. ندرك أن الزمن ليس مساحة واسعة، بل خطّ قابل للانقطاع في أي لحظة.

الصدمة الناتجة عن الموت تُعيد تنظيم إدراك الإنسان للزمن والمعنى. الدماغ، عندما يتعرّض لفقد كبير، يدخل في ما يشبه “إعادة ضبط معرفية”. الافتراضات الأساسية التي كان يبني عليها فهمه للعالم — الاستمرارية، الأمان، القدرة على التخطيط — تتزعزع دفعة واحدة.

لهذا يشعر كثير من الناس بعد الفقد بأن العالم لم يعد كما كان، حتى لو لم يتغيّر شيء خارجيًا. نفس الأماكن، نفس الأشخاص، نفس الروتين، لكن الإحساس الداخلي تغيّر. كأن طبقة غير مرئية أُزيلت من الواقع، و ظهر تحته شيء أكثر هشاشة.

نفسيًا، الموت يكسر وهم السيطرة. قبل الفقد، نميل إلى الاعتقاد الضمني أن الأمور السيئة تحدث “للآخرين”. بعده، ندرك أننا جزء من الاحتمال. هذا الإدراك لا يكون فكريًا فقط، بل جسديًا. الجهاز العصبي يبدأ في قراءة العالم بحذر أكبر، ويصبح أكثر حساسية للفقد والتغيير.

لهذا قد يظهر بعد الموت:
خوف مبالغ فيه على الأحبة.
قلق وجودي مفاجئ.
شعور بأن الوقت يمر أسرع من السابق.
أو على العكس، رغبة في عيش اللحظة دون تخطيط طويل.
من منظور أدبي، الموت يعلّم الإنسان درسًا قاسيًا:
لا شيء مؤجّل فعلًا.
كل ما نؤجله، قد لا يأتي دوره.
كلمات لم تُقل،
مكالمات لم تُجرَ،
خلافات ظننا أن الزمن سيحلّها،
كلها تتحول بعد الفقد إلى أشياء نهائية.

الحياة بعد الموت لا تصبح أتعس بالضرورة، لكنها تصبح أوضح. أقل وهمًا، أكثر مباشرة. بعض الناس يصابون بالانطفاء، وبعضهم بالعكس، يشعرون بحاجة ملحّة لأن يعيشوا بصدق أكبر، لأن الزمن لم يعد فكرة مجردة، بل تجربة ملموسة يمكن أن تنتهي.

هذا التغيّر مرتبط بما يُعرف بـ”إعادة تقييم المعنى”. الدماغ، بعد الصدمة، يحاول إعادة بناء قصة الحياة: ما المهم فعلًا؟ ما الذي يستحق الجهد؟ ما الذي يمكن الاستغناء عنه؟ القيم تتبدّل، الأولويات تُعاد ترتيبها، وبعض الطموحات تسقط من تلقاء نفسها لأنها لم تعد منطقية أمام فكرة الفناء.

الموت لا يجعل الحياة أقصر فقط،
بل يجعلها أكثر حدة.
نرى التفاصيل الصغيرة بوضوح أكبر،
نقدّر اللحظات البسيطة أكثر،
ونفهم فجأة أن الوجود ليس وعدًا طويلًا، بل فرصة مؤقتة.
لهذا لا يعود الإنسان بعد الفقد كما كان.

ليس لأنه حزين فقط،
بل لأنه أصبح يرى الحياة من زاوية يعرف فيها أن كل شيء قابل للانتهاء… حتى نحن..

أ.د/ مروة صبري