أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

كيف يخدعنا العقل بعد الانفصال ويعيد تلميع الماضي؟

كيف يخدعنا العقل بعد الانفصال ويعيد تلميع الماضي؟

بعد الانفصال، لا يتعامل العقل مع الواقع كما هو، بل كما يحتاج أن يراه. كثير من الناس يلاحظون أنهم، مع مرور الأيام، يبدأون في تذكّر اللحظات الجميلة فقط، بينما تختفي أو تتشوّه الذكريات المؤلمة. العلاقة التي كانت مليئة بالتعب والتناقضات تتحول فجأة في الذاكرة إلى قصة حب مثالية، وكأن الألم لم يكن موجودًا أصلًا.

هذا ليس ضعف ذاكرة، بل آلية نفسية معروفة تُسمّى “التحيّز الاسترجاعي”. العقل، في حالات الفقد، يميل إلى إعادة ترتيب الماضي بطريقة تقلّل الإحساس بالخسارة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة. هو لا يزوّر الواقع بوعي، بل يعيد بناءه وفقًا لحاجته الحالية.

من الناحية العلمية، الدماغ في حالة الانفصال يكون تحت ضغط عاطفي شديد. ارتفاع التوتر والقلق يدفع الجهاز العصبي للبحث عن أي مصدر يخفف الألم. أسهل حل هو استدعاء الذكريات الإيجابية المرتبطة بالشخص، لأن هذه الذكريات ما زالت قادرة على تنشيط نفس الدوائر العصبية المرتبطة بالراحة والمتعة.
لهذا نشعر بالحنين فجأة عند تذكّر ضحكة، أو رسالة قديمة، أو مكان مشترك. هذه الصور لا تُستدعى صدفة، بل لأن الدماغ يبحث عن جرعة صغيرة من الإحساس القديم بالأمان، حتى لو كانت مؤقتة.
في المقابل، الذكريات السلبية تُدفَع إلى الخلفية. ليس لأنها غير مهمة، بل لأنها لا تخدم هدف العقل في تخفيف الألم. فالعقل، في هذه المرحلة، لا يريد الحقيقة، بل يريد التسكين.

وهنا يظهر الخداع الحقيقي: يبدأ الإنسان في الشك في قراره. يتساءل: هل كنت أضخّم المشاكل؟ هل ظلمت الشخص؟ هل كان الأمر يستحق كل هذا الانفصال؟ ومع الوقت، يتحول الماضي في الذاكرة إلى نسخة أجمل من الواقع الذي عاشه فعلًا.

هذا التلميع لا يعني أن العلاقة كانت جيدة، بل أن العقل يحاول حماية نفسه من الفقد. كأنه يقول: إذا كان ما فقدناه جميلًا جدًا، فالألم مبرّر. أما إذا تذكّرنا حجم الأذى الحقيقي، فسيصبح الفقد بلا معنى.
لكن المشكلة أن هذه الآلية قد تعيق الشفاء. عندما يعيش الإنسان في نسخة مُزيّنة من الماضي، يصعب عليه إغلاق الدائرة. يظل معلّقًا في علاقة انتهت في الواقع، لكنها ما زالت حيّة في الذاكرة.

التحرر لا يأتي بمحاربة الذكريات، بل برؤيتها كاملة. أن نتذكّر اللحظات الجميلة دون أن نمحو لحظات التعب. أن نسمح للعقل بأن يرى الصورة الكاملة، لا النسخة التي تخفف الألم فقط.

عندها يتحول الماضي من سجن عاطفي إلى تجربة منتهية. لا نحتاج لتشويهه، ولا لتقديسه، بل لفهمه كما كان: إنسانيًا، ناقصًا، ومحدودًا بزمانه.

أ.د/ مروة صبري