أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

كيف نُصاب بالشلل أمام كثرة الخيارات؟ (مفارقة الاختيار)

كيف نُصاب بالشلل أمام كثرة الخيارات؟ (مفارقة الاختيار)

القلق المهني: كيف يصنع الاقتصاد الحديث عقلًا قلقًا؟
لم يعد القلق المهني مرتبطًا فقط بالخوف من الفشل أو فقدان الوظيفة، بل أصبح حالة نفسية واسعة الانتشار حتى بين من يبدون ناجحين ومستقرين. كثيرون يعيشون في توتر دائم: ماذا لو توقفت؟ ماذا لو لم أعد مطلوبًا؟ ماذا لو تأخرت خطوة واحدة عن الآخرين؟
علميًا، هذا النوع من القلق ليس نابعًا من ضعف شخصي، بل من طبيعة النظام الاقتصادي نفسه. الاقتصاد الحديث قائم على التغيّر السريع: مهارات تصبح قديمة خلال سنوات قليلة، وظائف تختفي، معايير النجاح تتبدل باستمرار. الدماغ البشري، الذي تطوّر في بيئات مستقرة نسبيًا، لم يُصمَّم للتعامل مع هذا القدر من عدم اليقين المزمن.

من الناحية العصبية، عدم الاستقرار المهني يُنشّط ما يُسمّى نظام التهديد. العقل يقرأ المستقبل كخطر مفتوح، فيرفع مستوى الكورتيزول (هرمون التوتر) لفترات طويلة. المشكلة أن هذا التوتر لم يعد مرتبطًا بحدث محدد، بل أصبح خلفية دائمة للحياة اليومية.
في الماضي، كان الخطر واضحًا: حرب، مجاعة، مرض.
اليوم الخطر غامض:
هل سأظل مطلوبًا؟
هل مهاراتي ما زالت لها قيمة؟
هل هناك من هو أفضل وأسرع وأرخص مني؟
هذا الغموض يجعل القلق أكثر إنهاكًا، لأنه لا يملك نقطة نهاية واضحة.

أحد أخطر آثار الاقتصاد الحديث هو ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية. الإنسان لم يعد يُقاس بصفاته الإنسانية، بل بما يقدّمه: إنجاز، راتب، منصب، عدد المتابعين، سرعة التعلّم. ومع الوقت، يتحول السؤال الداخلي من: “من أنا؟” إلى: “كم أساوي في السوق؟”
وهنا يصبح العمل ليس مصدر دخل فقط، بل مصدر هوية.
أي تهديد مهني يُفسَّر كتهديد للذات نفسها.
لهذا نرى أشخاصًا ناجحين يعانون من:
أرق دائم.
خوف من التوقف أو الإجازة.
شعور بالذنب عند الراحة.
قلق حتى في لحظات النجاح.

الدماغ يتعلم أن الأمان مؤقت، وأن الاستقرار وهم، وأن البقاء يتطلب حركة مستمرة بلا توقف.
أدبيًا، القلق المهني يشبه الجري على جهاز لا يتوقف. لا يوجد خط نهاية، ولا لحظة تقول فيها: كفى. كل إنجاز يصبح مجرد محطة قصيرة قبل القلق التالي. وكأن الحياة تحولت إلى سباق لا نعرف لماذا بدأ، ولا كيف ينتهي.

المشكلة ليست في الطموح، بل في غياب الإحساس بالاكتفاء. النظام الاقتصادي يربّي عقلًا يرى دائمًا ما ينقص، لا ما تحقق. وكلما حقق الإنسان شيئًا، يظهر له مستوى أعلى يجب الوصول إليه فورًا.
الشفاء من القلق المهني لا يعني الانسحاب من العالم، بل إعادة تعريف العلاقة مع العمل. أن ندرك أن الوظيفة ليست مرآة للهوية، وأن القيمة الإنسانية لا تُختزل في المهارة أو الراتب أو المكانة.

العمل جزء من الحياة،
لكن تحويله إلى مقياس للوجود نفسه يصنع عقلًا يعيش في حالة طوارئ دائمة.
وأحيانًا، أخطر ما في الاقتصاد الحديث ليس الفقر، بل تحويل القلق إلى نمط حياة طبيعي
لا نلاحظ غرابته إلا عندما نتوقف لحظة… ونشعر أننا مرهقون بلا سبب واضح.

أ.د/ مروة صبري