أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

كيف تصبح عدو نفسك؟

كيف تصبح عدو نفسك؟

العداء للنفس لا يبدأ ككره مباشر، بل كصوت صغير يبدو في البداية منطقيًا:
“كان ممكن تعمل أحسن.”
“إزاي غلطت الغلطة دي؟”
“أنت دايمًا بتقصّر.”
صوت يبدو كأنه دافع للتطوير، لكنه مع الوقت يتحول إلى مراقب دائم لا يترك مساحة للخطأ أو الراحة.

هذا الصوت يُعرف بـ الناقد الداخلي (Inner Critic).
يتكوّن غالبًا من تراكم رسائل قديمة: نقد متكرر، مقارنة، توقعات عالية، أو بيئة كان القبول فيها مشروطًا بالأداء. الدماغ يتعلم مبكرًا أن الخطأ خطر، وأن القيمة الذاتية تحتاج إثباتًا مستمرًا.
عصبيًا، يتنشّط هذا النمط عندما ترتبط صورة الذات بمراكز التهديد الاجتماعي في الدماغ. أي أن أي خطأ صغير لا يُقرأ كحدث عابر، بل كتهديد للهوية: “أنا شخص فاشل”، لا “أنا أخطأت في موقف”. هنا يحدث الخلط بين الفعل والذات.

مع الوقت، يتكوّن ما يُسمّى الاجترار السلبي (Negative Rumination):
تفكير دائري يعيد نفس الانتقادات مرارًا، حتى بعد انتهاء الموقف. الإنسان لا يراجع ليصحّح، بل ليعاقب نفسه داخليًا. الخطأ يتحول إلى دليل على نقص جوهري، لا تجربة قابلة للتعلّم.
هذا النمط يُغذّى أيضًا بما يُعرف بـ الكمالية المرضية (Maladaptive Perfectionism). الشخص لا يرى التقدّم، بل يرى فقط الفجوة بين ما هو عليه وما يتخيّله عن نفسه. أي إنجاز يُلغى فورًا لأنه “لم يكن مثاليًا”، وأي نجاح يُقلَّل من قيمته لأنه “كان ممكن أفضل”.

النتيجة النفسية ليست تحسين الأداء، بل إنهاك داخلي مستمر:
توتر دائم حتى في أوقات الراحة.
صعوبة الشعور بالرضا مهما كان الإنجاز.
خوف مزمن من الخطأ أو التقييم.
انخفاض الإحساس بالكفاءة الذاتية (Self-Efficacy).

العداء للنفس لا يجعل الإنسان أقوى، بل أكثر حذرًا من أن يكون نفسه.
لا يدفعه للتقدّم، بل يجعله يعيش في حالة دفاع دائم. كل خطوة تحتاج تبريرًا، كل شعور يحتاج رقابة، وكل خطأ يتحول إلى محاكمة داخلية.

وفي النهاية، أخطر ما في جلد الذات المستمر ليس الألم،
بل أن الإنسان يبدأ في تصديق صوته الداخلي،
ويتعامل مع نفسه كخصم يجب ضبطه،
لا كإنسان يحتاج دعمًا ليتغيّر.

أ.د/ مروة صبري