لم يعد الإنسان يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه فقط، بل يقارن نفسه الآن بآلاف الأشخاص يوميًا. نجاحات، أجساد، علاقات، سفر، دخل، أسلوب حياة… كلها تمر أمامه في دقائق. ومع الوقت، تتحول المقارنة من فعل واعٍ إلى حالة نفسية مستمرة تعمل في الخلفية دون توقف.
الدماغ البشري مبرمج على المقارنة الاجتماعية (Social Comparison). نحن نفهم أنفسنا من خلال الآخرين: أين أنا؟ كيف وضعي؟ هل أنا متأخر أم متقدم؟ في المجتمعات القديمة، كان نطاق المقارنة محدودًا. اليوم، النطاق بلا سقف.
المشكلة ليست في المقارنة نفسها، بل في طبيعة المادة التي نقارن بها.
السوشيال ميديا لا تعرض الحياة كما هي، بل تعرض نسخًا منتقاة، محسّنة، مُفلترة، ومركّزة على اللحظات القصوى: أجمل صورة، أفضل خبر، أقوى إنجاز. الدماغ لا يقرأ هذا على أنه “عرض جزئي”، بل يتعامل معه كواقع عام.
من الناحية العصبية، كثرة التعرض لمقارنات صاعدة (Upward Comparison) — أي مع من يبدو أفضل منا — تُنشّط مناطق مرتبطة بالتهديد وتقلل من نشاط مناطق الرضا. فيبدأ الإنسان يشعر تلقائيًا أنه متأخر، ناقص، أقل قيمة، حتى لو كانت حياته جيدة موضوعيًا.
المفارقة أن المقارنة لا تحتاج فشلًا حقيقيًا.
شخص ناجح قد يشعر بالإحباط فقط لأنه رأى شخصًا أنجح.
شخص مستقر قد يشعر بعدم الرضا لأنه رأى حياة أكثر إثارة.
المعيار يتحرك باستمرار، فلا يصل الإنسان أبدًا إلى نقطة يقول فيها: كفاية.
السوشيال ميديا تشبه نافذة مفتوحة على آلاف الحيوات في وقت واحد، بينما أنت تعيش حياة واحدة فقط. وكلما نظرت أكثر، شعرت أن حياتك ضيقة، بطيئة، أقل لمعانًا.
الضغط هنا ليس ضغط إنجاز فقط، بل ضغط وجودي:
لماذا حياتي لا تشبه هذه الحيوات؟
لماذا طريقي أبطأ؟
لماذا لا أشعر بما يفترض أن أشعر به؟
المشكلة الأعمق أن المقارنة الرقمية تفصل الإنسان عن سياقه الخاص. كل شخص له ظروف، بدايات، موارد، فرص مختلفة.
لكن العقل لا يرى السياق، يرى النتيجة فقط. فيقارن قصة كاملة بلقطة واحدة.
وهنا يتكوّن وهم خطير:
أن هناك نموذجًا واحدًا للحياة الجيدة،
وأن أي انحراف عنه هو فشل شخصي.
الضغط المستمر للمقارنة ينتج:
قلق مزمن.
إحساس بالدونية رغم الإنجاز.
فقدان متعة الحاضر.
سباق بلا خط نهاية.
الإنسان لا يعيش حياته، بل يعيش مراقبة حياة الآخرين.
التحرر من هذا الضغط لا يعني الانسحاب الكامل، بل إعادة ضبط العلاقة. أن ندرك أن ما نراه ليس معيارًا، بل عرضًا انتقائيًا. وأن حياتنا لا تحتاج أن تكون “مُعجِبة” للآخرين لكي تكون ذات معنى لنا.
أحيانًا، أكبر خسارة في المقارنة ليست أننا نشعر أننا أقل،
بل أننا نتوقف عن رؤية ما نملكه فعلًا،
لأننا مشغولون بحيوات لم نعشها ولن نعيشها.
وفي النهاية، لا أحد ينشر فشله اليومي،
لكن الجميع يقارن حياته الكاملة بلحظات الآخرين الأفضلوهذا وحده كافٍ لصناعة شعور دائم بأنك متأخر… حتى لو كنت في مكانك الصحيح تمامًا.