أكاديمية الصحة العامة المتكاملة

الارهاق الوظيفي بين علم النفس و الدين

الارهاق الوظيفي بين علم النفس و الدين

في مرحلة معينة من حياة الإنسان يظهر نوع من الإرهاق لا يفسَّر بقلة النوم أو كثرة العمل فقط، بل بما يسمّيه علم النفس الاحتراق الوظيفي (Burnout)، حيث يدخل الجهاز العصبي في حالة استنزاف مزمن نتيجة ضغط طويل المدى، تحميل الذات مسؤولية أكبر من طاقتها، وربط القيمة الشخصية بالإنجاز والنتائج.

في هذه الحالة يظل الجهاز العصبي في وضع “تهديد” دائم، يفرز الكورتيزول باستمرار، ويصبح التفكير موجّهًا بالخوف من الفشل وفقدان الأمان. هذا النمط يجعل الإنسان يسعى بعنف، ويخطط بقلق، ويعمل بلا توقف، لكنه داخليًا يشعر بعدم الاستقرار مهما حقق.

دينيًا، هذا التعب يكشف خللًا في فهم الرزق، لأن الإنسان حين يخلط بين السعي والتعلّق، وبين الجهد والسيطرة، يتحوّل الرزق من مسار حياة إلى معركة نفسية، ويبدأ في استنزاف نفسه أكثر مما يبنيها.

اختبارات الرزق

1- اختبار السعي مع عدم التحكم:

الإنسان مطالب بالعمل وبذل الجهد، لكن غير مطالب بالتحكم في النتيجة. الاختبار هنا نفسيًا هو القدرة على الفصل بين الأداء والطمأنينة، أي أن يعمل دون أن يربط استقراره النفسي بالنتائج.

الإفراط في السعي مع وهم السيطرة يؤدي إلى قلق مزمن واحتراق وظيفي لأن الجهاز العصبي يظل في حالة ترقّب وتهديد.

دينيًا هذا الاختبار يعلّم التوكّل الحقيقي: جهد بلا تعلّق.
الدليل: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان:30) وقال ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير» (الترمذي)

2- اختبار ضيق الرزق:

ضيق الرزق يختبر صورة الإنسان عن نفسه، هل يفسّر النقص كفشل شخصي أم كمرحلة مؤقتة. نفسيًا الفقر الطويل قد يخلق شعورًا بالعجز أو الدونية.

ودينيًا هو اختبار الصبر والثقة في أن القيمة الإنسانية لا تُقاس بالامتلاك.
الدليل: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} (الرعد:26)

3- اختبار الشكر بعد السعة:

الوفرة لا تقل خطرًا عن الفقر، لأنها تختبر قدرة الإنسان على البقاء متزنًا دون تضخم الأنا.

نفسيًا الزيادة قد تولّد شعورًا زائفًا بالقوة والسيطرة، ودينيًا الشكر هو الضابط الذي يمنع تحوّل النعمة إلى فساد.
الدليل: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم:7)

4- اختبار البذل مع القلة:

العطاء في وقت النقص يختبر مستوى الأمان الداخلي. نفسيًا من يعطي وهو محتاج يملك درجة أعلى من الثقة بالواقع وبالمستقبل و دينيًا هذا أعلى درجات اليقين لأن العطاء هنا ليس من فائض بل من إيمان.
الدليل: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} (سبأ:39) وقال ﷺ: «ما نقص مال من صدقة» (مسلم)

5- اختبار الحلال مع القدرة على الحرام:

الاختبار هنا أخلاقي نفسي، لأن الطرق السريعة غالبًا تكون مغرية لكنها تدمّر الشعور الداخلي بالاستقامة.

نفسيًا السلوك غير النظيف يولّد قلقًا داخليًا حتى لو جلب مالًا، ودينيًا الرزق الحرام يُمحَق معناه ولو كثر.
الدليل: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة:276) وقال ﷺ: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (مسلم)

6- اختبار الصبر على تأخر الثمرة:

بعض الأرزاق تحتاج زمنًا للنضج النفسي قبل أن تحتاج فرصة خارجية. نفسيًا الاستعجال يولّد إحباطًا مزمنًا، ودينيًا الزمن جزء من التربية لا من العقوبة.
الدليل: وقال ﷺ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل» (متفق عليه)

7- اختبار المقارنة بالآخرين:

المقارنة المستمرة تخلق شعورًا دائمًا بالفقر حتى وسط الوفرة. نفسيًا هي من أخطر أسباب عدم الرضا، ودينيًا تفسد الإحساس بالنعمة لأنها تحوّل الرزق إلى سباق لا إلى نصيب.
الدليل: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء:32) وقال ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم» (متفق عليه)

8- اختبار التعلّق بالبشر:

ربط الأمان بشخص أو وظيفة يخلق هشاشة نفسية، لأن أي فقد يهز الاستقرار الداخلي. نفسيًا هذا يولّد قلق التعلّق.

ودينيًا التوكّل يعيد مصدر الأمان إلى مرجعية ثابتة.
الدليل: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3) وقال ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله» (الترمذي)

9- اختبار القناعة مقابل الطمع:

القناعة هي الفارق بين راحة نفسية مستمرة وقلق لا ينتهي. نفسيًا الطمع يجعل الجهاز العصبي في حالة جوع دائم.

و دينيًا الغنى الحقيقي هو غنى النفس لا كثرة المال.
الدليل: وقال ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (متفق عليه)

 

و بالتالي، الرزق لا يُختبر فقط في الخارج، بل في الداخل أولًا. علميًا، الفتح الحقيقي هو انتقال الجهاز العصبي من حالة التهديد والضغط إلى حالة أمان وتنظيم. ودينيًا، هو انتقال القلب من التعلّق إلى التوكّل، ومن المقارنة إلى القناعة، ومن وهم السيطرة إلى الثقة. حين يتغيّر هذا الموقع الداخلي، يبدأ الرزق في أن يُعاش كاستقرار نفسي قبل أن يكون رقمًا ماديًا، ويصبح الجهد أقل توترًا، والطريق أخف، والحياة أقل صراعًا.

أ.د/ مروة صبري